السيد عباس علي الموسوي
44
شرح نهج البلاغة
وكذلك كانت بعثة الأنبياء من أجل أن يبصر الناس علامات القدرة الإلهية التي تتجسد في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما فإن الإنسان يرى كل هذه الآيات وهي تحت نظره ولكنه يغفل عن التفكر فيها وعن عظيم دقة صنعها . . ثم ذكر ست آيات من آيات عظمة قدرته . . ( من سقف فوقهم مرفوع ) وهذه أولى الآيات ، . . إنها هذه السماء التي نراها وهي فوقنا بما فيها من كواكب وسيارات ونجوم . . إنها مرفوعة فوقنا لا يمسكها إلا اللّه بحسب ما وضع لها من قوانين ونظم وقد أقسم اللّه بقوله : وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 1 ) . ( ومهاد تحتهم موضوع ) وهذه ثانية الآيات وسميت الأرض مهادا لأنها صالحة لاستقرار الإنسان عليها فهي مبسوطة بشكل تقبل أن يعيش الإنسان عليها ويستمر في حياته فيها وقد منّ اللّه على الإنسان بهذه النعمة في قوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 2 ) . ( ومعايش تحييهم ) وهذه ثالثة الآيات إنها أرزاق العباد وما به قوامهم واستمراريتهم بما خلق اللّه لهم من خضار وفواكه ونعم وخيرات . . إن اللّه وفر لهذا الإنسان مادة حياته وبقائه بما أعطاه من حبوب وثمار وهداه إليها ووفرها له . . . ( وآجال تفنيهم ) وهذه رابعة الآيات . . إذا نظر الإنسان إليها اعتبر واتعظ ، فإن هذا العمر إذا انتهى مات الإنسان . . فأيامه معدودة وأوقاته محدودة متى استوفاها توفاه اللّه ونقله من عالم إلى آخر وكم في هذه من العبرة وبما أن هذا الإنسان سيصل إلى أجله فليعد العدة له . ( وأوصاب تهرمهم ) وهذه خامسة الآيات وهي ما ينتاب هذا الإنسان من الأتعاب والآلام والأمراض وما أكثرها وأي إنسان لا يمرض وأي إنسان لا يتعب أو لا يمر في حالة من الألم . . إنها كلها تزيل شباب الإنسان وتدنو به من الهاوية . . ( وأحداث تتابع عليهم ) وأحداث الدهر ومصائبه كثيرة وفي المثل العامي « مصائب الدهر أكثر من نبات الأرض » وأي بيت لم تدخله التعاسة وأي إنسان لم يمر في حادثة بل أحداث تشوش عليه أفكاره وتنغصّ عليه حياته . إنها متوالية . . متتالية منذ أول ولادته وإلى خاتمة حياته ولد في شدة ويموت في شدة ويحيا فيما بين الولادة والوفاة في شدائد متتابعة .
--> ( 1 ) سورة الطور ، آية - 5 . ( 2 ) سورة النبأ ، آية - 6 .